وصل البلد إلى 13 نيسان 1975، وكانت حادثة بوسطة عين الرمانة ظهر ذلك الأحد.
عصرًا، خرجت مجموعات مسلّحة من مخيم تل الزعتر وبدأت هجومًا واسعًا لاحتلال عين الرمانة ومحاولة الاتصال بالشياح، وبعد ساعات من التراشق بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، تراجعوا إلى داخل المخيم، تاركين في أرض المعركة عدة جثث لمقاتليهم، قامت قوى الأمن الداخلي بسحبها.
ليلًا، تسلّلت مجموعة فلسطينية أخرى من تل الزعتر وسيطرت لفترة على محيط مستشفى الحايك، ويبدو أن الهدف كان فتح خط بين تل الزعتر وقلعة البسينات - معمل الصابون الواقع الآن مقابل أوتيل المتروبوليتان - للوصول إلى مخيم جسر الباشا.
هبّ شباب المنطقة لاسترجاع ما سقط، وبعد معركة استمرت قرابة 5 ساعات، تمكّنوا عند منتصف الليل من محاصرة المجموعة الفلسطينية في مدرسة CTI قرب مستشفى الحايك، وعادوا وفتحوا لهم ممرًا للانسحاب إلى تل الزعتر. ومن يومها، ارتسمت خطوط تماس بين مخيم تل الزعتر وجواره، وبدأ الأهالي حراسة الشوارع المحيطة بالمخيم خوفًا من أي تسلّل من مخيم تل الزعتر.
في تحقيق نشرته مجلة النهار العربي والدولي، في عددها رقم 363 الصادر في 16 نيسان 1984 حول ما جرى في عين الرمانة ذاك الأحد، جاء فيه أنه وجدت في ثياب أحد القتلى الفلسطينيين من مخيم تل الزعتر خريطة مفصلة لعين الرمانة مع أمر عمليات باقتحامها من 3 محاور: الأول من كنيسة مار مخايل – قصر الطيار، والثاني من شارع أسعد الأسعد باتجاه شارع مارون مارون، الثالث من مشاتل شمص نحو الطيونة.
في التحقيق أنه بعد عدة سنوات على حادثة عين الرمانة، حصلت مراجع لبنانية عليا على تقرير سري رفعه، مساء 13 نيسان 1975، رئيس محطة الاستخبارات الأميركية في بيروت إلى قيادته، يشير فيه إلى أن المقاتلين المسيحيين لن يتمكنوا من الصمود سوى أيام معدودة، وبالتالي فإن سقوط الحكم اللبناني سيتم في اليوم الثامن بعد 13 نيسان على أبعد تقدير. واعتبر المسؤول الأميركي في تقريره أن الحصار الفلسطيني المحكم المضروب على عين الرمانة وفرن الشباك وسن الفيل والدكوانة سيؤدي إلى سقوطها سريعًا في أيدي المنظمات الفلسطينية، وبالتالي سقوط العاصمة بيروت بكاملها وسقوط الحكم اللبناني.
يختم التحقيق: بعد مدة قصيرة نقل المسؤول الأميركي من بيروت.
حصار المخيم
استمرت، بعد 13 نيسان 1975، تجاوزات مسلحي مخيم تل الزعتر وخروجهم منه، وهناك عشرات القصص عن التجاوزات التي قاموا بها ما بين ربيع وأواخر سنة 1975، حيث عيّشوا الأهالي في حالة رعب وخوف، فكان لا بد من إقامة حواجز عند مداخل المخيم لمنع خروج المسلحين منه ومنع إدخال الأسلحة والذخائر إليه.
قامت قيامة المنظمات الفلسطينية بحجة أن هناك حصارًا تموينيًا على المخيم بهدف تجويع الناس وقتلهم، ما اضطر حزب الكتائب اللبنانية إلى إصدار عدة بيانات توضح حقيقة الوضع، وتؤكد أن الحواجز التي أُقيمت هي لمنع وصول الأسلحة إلى المخيم وخروج المسلحين منه. ودعت البيانات جميع الصحافيين إلى التأكد من عبور المواد التموينية بشكل طبيعي إلى داخل المخيم.
المخيم بؤرة فساد
يوم اندلعت الحرب ربيع 1975، كان مخيم تل الزعتر قد أصبح بؤرة فساد غير مقبولة بأي مقاييس، فكان أي خارج عن القانون يهرب إلى داخله ويقول إنه مؤمن بالقضية الفلسطينية، فيصبح عضوًا في تنظيم فلسطيني. وكانت «فتح» ترفض استقبالهم، فكانوا يتوجهون إلى باقي المنظمات، ولا سيما ما كان يُعرف بـ»جبهة الرفض». وهؤلاء الخارجون عن القانون لعبوا دورًا مهمًا في توسيع الانشقاق بين أهالي المخيم والجوار من خلال تجاوزاتهم وتعدياتهم على الناس، محتمين بمنظماتهم التي لم تحاول ردعهم رغم كل المناشدات. ولدى أهالي المناطق المحيطة بالمخيم كمّ هائل من الأخبار عن تلك التجاوزات والتعديات غير المقبولة.
حتى اليوم لم ينسَ جيران مخيم تل الزعتر التجاوزات
في حديث مع شاب عايش كل يوميات تلك المرحلة، من قبل اندلاع الحرب وحتى سقوط المخيم، قال: نحن من موارنة رأس بيروت. صيف 1973، انتقلنا نهائيًا إلى الدكوانة، حيث يقيم أخوالي، لأن والدي كان مدركًا أننا لن نستطيع البقاء في بيروت الغربية، وما زالت قيودنا في رأس بيروت.
كان منزلنا في الدكوانة، في الشارع المقابل للمخيم، وكنا نشاهد يوميًا التجاوزات. وعندما اندلعت الحرب، كان عمري 16 سنة، فالتحقت مع الباش مارون خوري في حركة الشبيبة اللبنانية. ففي تلك الأجواء، ما كنت تستطيع البقاء في المنزل والتفرج. لا أحد يدرك حقيقة مخيم تل الزعتر إلا من كان يعيش في جواره.
أنا عشت في الدكوانة، في شارع قريب من تل الزعتر، ولم أدخل يومًا إليه، لا أنا ولا أي من رفاقي. وقبل اندلاع الحرب، لم يمر يوم واحد من دون إشكال في شوارعنا مع شبان أتوا من تل الزعتر. ما عادت صبية تتجرأ على السير بمفردها حتى أمام منزلها، وما عاد شاب يتجرأ على السير ليلًا أمام منزله.
من الحوادث اليومية التي كانت تحصل: وصل يومًا إلى شارع في الدكوانة فلسطيني معروف من مخيم تل الزعتر، وأوقف دراجته النارية أمام بناية ودخل إليها، وبعد دقائق غادر، ولم تمضِ ثوان حتى وقع انفجار في مدخل البناية. لقد تبيّن أنه وضع عبوة ناسفة بدائية الصنع في المصعد وغادر، فانفجرت، ومن يومها ما عاد شوهد في الدكوانة.
لماذا قام بهذا العمل؟ لا جواب مؤكد عند أحد، وإن كانت التكهنات وقتها تشير إلى أن الهدف هو خلق بلبلة.
يضيف: ما كان ممكنًا ترك الأمور في هذا الفلتان. أنا أطلقت الرصاص يومًا على فلسطينيين من نافذة منزلي، أي إنهم كانوا في الشارع الذي أقيم فيه، ولم نكن نحن في تل الزعتر. هل نتركهم يدخلون إلى منازلنا؟
كانوا في كل زاوية: حرش تابت، المكلس، مستديرة الصالومي، رأس الدكوانة، السلاف. أصبحنا كأننا نحن الضيوف وهم أصحاب الأرض.
كان لا بد من إقامة حواجز لمنعهم من الخروج من تل الزعتر بأسلحتهم، وأول من أقام حواجز كانوا جماعة الباش مارون، وأنا كنت معهم. وكاذب من يقول إننا أوقفنا شاحنة واحدة تحمل مواد غذائية ومنعناها من دخول تل الزعتر. كنا نطلب تفتيش الشاحنات، وتم اكتشاف مخابئ أسلحة وذخائر بين الطحين والمواد الغذائية.
قصة الأنفاق بين مخيم تل الزعتر وباقي المخيمات الفلسطينية
تردّد الكثير يومها عن أنفاق حفرها الفلسطينيون لربط مخيماتهم بعضها ببعض، ونُسجت روايات خيالية عن تلك الأنفاق، فما قصتها؟
ما كان يوجد أنفاق محفورة بين المخيمات والتجمعات الفلسطينية، بل قناة لتصريف مياه الأمطار تبدأ من تل الزعتر، رأس الدكوانة، إلى السلاف، الصالومي، النبعة، وصولًا إلى البحر عند محلة الكرنتينا. وهذه القناة حفرتها الدولة اللبنانية قبل الحرب، وكانت واسعة، يمكن السير فيها بسهولة وقيادة ATV داخلها.
استعمل الفلسطينيون هذه القناة للتنقل بين مناطقهم وصولا إلى الكرنتينا، وعند اندلاع الحرب فجّرها الباش مارون في محلة السلاف، وتم قطعها. ولاحقًا، عادت الدولة ورمّمتها، ولا تزال مستعملة حتى اليوم.
لقاء الباش مارون وفتحي عرفات
صيف 1975، وكانت قد بدأت المناوشات بين تل الزعتر ومحيطه، تواصل نائب سابق مع الباش مارون وأبلغه أن رئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني فتحي عرفات، شقيق ياسر عرفات، يرغب بلقائه للبحث في قضايا تختص بالمرضى والجرحى في مخيم تل الزعتر.
حصل الاجتماع ليتبيّن أن فتحي عرفات قادم بعرض للباش مارون لإخلاء الدكوانة لقاء المبلغ الذي يطلبه، وحمل العرض تسفير من يرغب من شباب الباش مارون إلى أي دولة عربية يرغبون في العمل فيها.
صُدم النائب السابق والباش مارون من الطرح، فرفضه الباش مارون بالمطلق وأنهى اللقاء سريعًا، رغم طلب فتحي عرفات وقف الحديث في هذا الموضوع والانتقال إلى الوضع الصحي في تل الزعتر. وفي الليلة التي حصل فيها الاجتماع، تم تفجير منزل الباش مارون في الدكوانة.
المفاوضات لإخلاء المخيم سلميًّا
مع إطلالة العام 1976، وبعد سقوط محلّتَي الكرنتينا والمسلخ عند مدخل بيروت الشمالي في أيدي مقاتلي حزب الكتائب اللبنانية، والتأكد، من خلال الوثائق التي اكتُشفت، من وجود المخطط الفلسطيني لفصل المنطقة الشرقية من خلال وصل مدينة عاليه بالبحر عبر الكحالة – رأس الدكوانة – تل الزعتر – سن الفيل – النبعة – الدورة – الكرنتينا، الذي لو نجح لكانت المنظمات الفلسطينية قد سيطرت بالكامل على لبنان، هنا بدأ البحث الجدي في حماية تلك المنطقة، وكانت البؤرة المقلقة مخيم تل الزعتر وما يضمّه.
لتفادي حمام دم جديد، بدأت وقتها مفاوضات بعيدة عن الأضواء بهدف إيجاد حل سلمي لمخيم تل الزعتر، وكان المقترح نقل سكانه إلى الجنوب اللبناني.
أدار المفاوضات الخوري يواكيم مبارك والمحامي فايز قزي، وكانا يتواصلان مع زعيم الحركة الوطنية كمال جنبلاط، وياسر عرفات وأبو حسن سلامة عن منظمة التحرير الفلسطينية، والشيخ أمين الجميل، نائب المتن الشمالي، حيث يقع المخيم، عن حزب الكتائب اللبنانية.
لا معلومات مفصلة حول المراحل التي كانت قد وصلت إليها المفاوضات، وهناك كلام عن أنها كانت قد وصلت إلى مرحلة متقدمة حين بدأ الهجوم على المخيم، فتوقف كل شيء. وما زالت الأسئلة مطروحة:
هل فشل المفاوضات أدى إلى مباشرة الهجوم؟
هل الهجوم هو الذي أوقف تلك المفاوضات؟
هل من قاموا بالهجوم ما كانوا يعلمون بتلك المفاوضات؟
هل تسرّبت أخبار المفاوضات فكان الهجوم لإفشالها؟
ماذا لو كانت المفاوضات قد نجحت وغادر سكان المخيم سلميًا؟
حتى الساعة، لا أحد يعرف حقيقة الأمر، فالرئيس الشيخ أمين الجميل والمحامي فايز قزي لم يتحدثا تفصيليًا بعد عن تلك المفاوضات التي ما تزال من أسرار الحرب اللبنانية.
بعد سقوط المخيم، تحدّث كثيرون عن مفاوضات واتصالات، ولكن الثابت أن المفاوضات الجدية الوحيدة كانت هذه المفاوضات التي، لو نجحت وتم إخلاء المخيم سلميًا، لتم توفير الكثير من الشهداء والضحايا والخراب.












