في الثاني عشر من آب كل عام، تعود صورة تل الزعتر: مخيم تحوّل أرضًا ومخيماته درعًا لمشروع لم يكن اللبنانيون طرفًا في رسمه. اتفاق القاهرة عام 1969 منح عرفات حق التسلّح من الأراضي اللبنانية، فتحوّلت المخيمات والجنوب إلى "دولة داخل الدولة"، ودفع لبنان - أرضًا وشبابًا، من عشرات الشبان الذين انضموا إلى المعركة إلى مئتي شهيد سقطوا في حصار تل الزعتر - ثمن قرارات لم يتخذها. وحين بدأ الميزان يميل ضد الفصائل صيف 1976، دعا عرفات، بحسب "روبرت فيسك" إلى هدنة ثم أمر بإطلاق النار على من قَبِل تسلّم الاستسلام، وتبين انه كان ببساطة "بحاجة إلى شهداء".


عرفات غادر لبنان عام 1982 والمنطق الذي استخدمه لم يغادر معه

اليوم، الاسم مختلف والراعي مختلف، لكن البنية واحدة: جنوب لبنان منصة إطلاق لحساب صراع أوسع لا يقرر فيه لبنان شيئًا. في الثاني من آذار 2026، وفي خضم حرب إيران مع إسرائيل وواشنطن، أطلق "حزب الله" مرة أخرى صواريخ على إسرائيل ردًا على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي - قرار اتُّخذ انتقامًا لرجل لم يكن لبنانيًا، دفع اللبنانيون ثمنه غارات إسرائيلية على بيروت. وحين أنتجت مفاوضات واشنطن، في حزيران الماضي، إطارًا يربط الانسحاب الإسرائيلي بتسليم سلاح "حزب الله"، وصف أمينه العام نعيم قاسم الاتفاق بأنه "إذلال وتنازل عن السيادة"، أي أن التنازل الحقيقي عن السيادة، في هذا المنطق، هو أن يستعيد لبنان قراره وسلاحه لنفسه، لا أن يبقيا رهن حساب خارجي.

هذا هو جوهر السياسة نفسها التي مورست في تل الزعتر: أن يصبح بقاء سلاح غير لبناني، وقرار غير لبناني، على الأرض اللبنانية أمرًا طبيعيًا، وأن تُقرأ كل محاولة لاستعادته سيادةً منقوصة لا سيادة مستردّة. حتى في الساعات الأخيرة "حزب الله" يصعّد ميدانيًا "بتوجيه إيراني" بهدف تعطيل مسار التفاوض.

"حزب الله" نفسه يرفض أي تفاوض مباشر تجريه الدولة اللبنانية مع إسرائيل، ويصف القائمين عليه بالعمالة، في حين يقبل بالتفاوض غير المباشر عبر قنواته الخاصة، ولا يجد غضاضة في أن يكون الملف اللبناني جزءًا من مفاوضات إيران وواشنطن التي تقول طهران نفسها إنها "تشمل لبنان".

ما هو ممنوع على الدولة اللبنانية أن تقرره لنفسها، مسموح لإيران أن تقرره نيابة عنها. طهران تسعى لتكون "مراقبًا مباشرًا" على مسار التفاوض، ما يعطي إسرائيل أيضًا حجة لتبرر عملياتها العسكرية على لبنان بحجة مواجهة إيران.

حتى في لحظة تفاوضه على مصيره، لم يعد لبنان وحده من يقرر من يتفاوض باسمه.

الفرق أن تل الزعتر كان فصلا أُغلق بعد أربعة وخمسين يومًا. هذا الفصل لم يُغلق بعد، وثمنه يُدفع نقدًا: نزوح متكرر لعائلات الجنوب، اقتصاد منهك، وأهل قرى حدودية لا يعرفون متى تبدأ جولة القتال القادمة ولا من يقرر توقيتها.

لهذا نستعيد ذكرى تل الزعتر اليوم لا كطقس سنوي، بل كمرآة: كل مرة يُستخدم فيها لبنان أرضًا لقضية لا يملك قرارها، وكل مرة يُدفَع فيها أهله ثمنًا لحسابات تُدار من خارج حدوده، فهذا هو الوجه نفسه يتكرر، بغضّ النظر عن اسم من يرتديه. الأسماء تتغيّر: عرفات، ثم دمشق، ثم طهران - لكن السؤال اللبناني يبقى واحدًا لم يُجَب عنه بعد: متى يصير قرار الحرب والسلم على هذه الأرض قرارًا لبنانيًا وحده؟