ليست الوحوش الأكثر رعبًا تلك التي تتسلّل من العتمة بملامح غريبة، بل تلك التي تحمل وجوهًا نعرفها، وتستعير أصواتًا نحبّها، وتدخل حياتنا من الأبواب التي اعتقدنا أنّها موصدة في وجه الخطر. من هذه المفارقة ينطلق فيلم "Other Mommy"، للمخرج Rob Savage، مستندًا إلى رواية "Incidents Around the House"، ليحوّل المساحة العائلية الحميمة إلى مسرح للقلق والرعب النفسي، حيث تتداخل مخاوف الطفولة مع تصدّعات العلاقات بين الكبار.

تتمحور الحكاية حول "بيلا"، طفلة في السابعة، تواجه كيانًا غامضًا متحوّل الهيئة، يُعرف باسم "الأم الأخرى"، ويتّخذ ملامح والدتها "أورسولا"، التي تؤدي دورها Jessica Chastain. وبينما تحاول الطفلة فهم طبيعة هذا التهديد، تتكشّف توتّرات العلاقة بين والدَيها، "أورسولا" و "راسل". وفي ذلك، تصبح الأزمة العائلية خلفية لرعب يتجاوز حدود الخوارق إلى منطقة أكثر إزعاجًا، تتمثّل في اهتزاز شعور الطفل بالأمان داخل بيته نفسه.


ازدواجية الوجه الأمومي

تمنح جيسيكا تشاستين الفيلم ثقله التمثيلي عبر تجسيدها الأم الحقيقية ونسختها المرعبة في آن واحد. هنا تقوم المفارقة على ازدواجية الصورة: الوجه الذي يُفترض أن يُطمئن يتحوّل إلى مصدر للريبة، والحنان الذي يبدو في ظاهره خلاصًا قد يُخفي رغبة في الاستحواذ. إنّها حيلة سينمائية تقوم على التباين بين الأصل والنسخة، وبين الألفة والاغتراب، وتستثمر قدرة الممثلة على التلاعب بالنبرة والنظرة والإيماءة لإحداث شرخ داخل الصورة المألوفة للأمومة.

غير أنّ الفيلم لا يمنح هذه الازدواجية عمقًا نفسيًا يوازي إمكاناتها، إذ تبقى الشخصيات، في مواضع كثيرة، أسيرة الوظيفة التي تؤديها داخل مشاهد الرعب. وتؤدي الممثلة الشابة Arabella Olivia Clark دور "بيلا" بوصفها مركز الرؤية السردية، لكنّ التجربة الداخلية للطفلة لا تتطوّر دائمًا بما يكفي ليتحوّل خوفها إلى تجربة عاطفية متكاملة، لا مجرّد ذريعة لمزيد من المطاردات والمفاجآت.


صناعة الخوف من الصمت

يختار روب سافاج إيقاعًا محمومًا، يحشد فيه الأحداث والمواجهات ضمن مسار متسارع، كأنّ الفيلم يخشى أن يفقد قبضته على المشاهد إذا أتاح للحكاية لحظة تأمّل. وفي ذلك، تبرز أهمية تصميم الصوت: فالصمت ليس غيابًا للصوت، بل انتظار مشحون تتخلّله أصوات البيئة المنزلية، من صرير الأرضيات إلى حركة الأبواب، لتتحوّل التفاصيل اليومية إلى إشارات تهديد. وما لا نراه يصبح أحيانًا أكثر إخافة ممّا تعرضه الصورة مباشرة.

يوظّف المخرج التأطير البصري والفراغات المنزلية لتوليد إحساس دائم بأنّ الخطر قد يكون خلف أي باب. كما تغدو الكاميرا أداة لتقييد مجال الرؤية، بحيث يشارك المُشاهد الطفلة ارتباكها وعجزها عن التمييز بين المألوف والمخيف. لكنّ هذا الاشتغال التقني، على فاعليّته، لا ينجح دائمًا في الاندماج مع البناء الدرامي. فبعض مشاهد الفزع تبدو منفصلة عن التطوّر النفسي للشخصيات، كأنّها عروض بصرية قائمة بذاتها.

تكمن الفكرة الأكثر إثارة للاهتمام في الفيلم في العلاقة بين الرعب والأزمة العائلية، إذ إنّ "بيلا" تلتقط توتّر والدَيها، لكنّ العمل يكتفي غالبًا بالإيحاء بما تشعر به، من دون التوغّل بما يكفي في عالمها الداخلي. كما أنّ التصدّعات بين "أورسولا" و "راسل" تظلّ إشارات متفرّقة، لا تتطوّر إلى مسار درامي يمنح الصراع القائم أبعادًا إنسانية أعمق. ومع ذلك، لا يخلو الفيلم من لحظات إخراجية متماسكة، تكشف عن ثقة سافاج بأدوات النوع السينمائي، ولا سيّما في بناء الترقّب وإدارة الإيقاع. غير أنّ الرعب لا يُقاس بعدد القفزات المفاجئة وحدها، فالصورة الأكثر رسوخًا هي تلك التي تترك أثرًا نفسيًا يتجاوز لحظة المشاهدة.

يقدّم "Other Mommy" تجربة رعب مشغولة بصريًا وصوتيًا، تقودها تشاستين بحضورها الآسر، لكنّه لا يستثمر بالكامل إمكاناتها الدرامية في تناول الأمومة والخوف والروابط العائلية. الفيلم يعرف كيف يثير القلق، لكنّه أقل قدرة على تحويله إلى تأمّل درامي عميق. وتبقى مفارقته الأساسية أنّه يذكّرنا بأنّ الرعب الأكثر فاعلية قد لا يكمن في ظهور وحشي، بل في اللحظة التي نكتشف فيها أنّ الوجه الذي نثق به لم يعد كافيًا كي نشعر بالأمان. ولمن يجرؤ على اختبار حدود الطمأنينة، فليدخل صالة السينما مستعدًا للشكّ في الوجه الذي يعرفه أكثر من أيّ وجه آخر.