من أهم مظاهر عصرنا يبقى الاستبدال السكاني. وليس بظاهرة جديدة، فالتاريخ هو سجل تنقّل الشعوب وتطوّر الحضارات. هجرات عصرنا تنفرد بصفتين: حجم فاق كل ما سبق، وتبدل حضاري يعيق منعه.
الحضارة الغربية تحتضر. لكن ما الضرر إن تقلّصت حضارة أو زالت؟ فما التاريخ إلا سجلّ لتبدّل الأحوال. القلق ليس في التبدّل، بل في الاستبدال، استبدال ذروة الحضارات الإنسانية بما هو دونها. القيم المهدّدة تنادي بالحقوق والمساواة والحريات، من حرية التعبير والدين والرأي. وتقوم على حكم القانون ومحاسبة السلطة. في صلبها أيضًا الحقوق الاجتماعية وضمان مستوى عيش وخدمات صحية للجميع. هذه القيم كانت عبر القرون حلم البشرية، لكن حضارة واحدة نجحت في إطلاقها، وهي الآن تلفظ أنفاسها الأخيرة.
أفضل ما يصف مأساة عصرنا قول لأرنولد توينبي، رائد فلسفة التاريخ: "الحضارات لا تموت. الحضارات تنتحر".
بما أن طبيعة الأشياء هي تبدّلها الدائم وبروز حضارة وطيّ أخرى، فما مبرّر هذا القلق إذن؟ القلق يعود إلى سببين: ذاتي وموضوعي.
الذاتي هو أنني أنتمي إلى هذه الحضارة. الموضوعي هو أن الحضارة الغربية هي، دون جدال، ذروة ما حقّقته البشرية من نشر مبدأ المساواة أمام القانون وحكم القانون. ثم إنها هي الحضارة التي طوّرت العلوم، ما أدّى إلى رفاهية أفادت البشرية جمعاء. هذه الإنجازات أراها مهدّدة، إذ إن بدائلها تنادي بما يخالفها أو يضعفها.
ما هي الحضارة الغربية؟
فيلسوف وعالم نفس في القرن العشرين، كارل ياسبرز، لاحظ ما فات غيره. رأى أن انقلابًا هائلًا في الفكر البشري حدث ما بين 800 و300 ق.م.، وكان أساسًا لكل الفلسفات والأديان والعلوم اللاحقة، فأطلق على تلك الحقبة اسم "الحقبة المحورية". خمسة قرون ابتدأت بهضاب إيران، ثم اتجهت شرقًا إلى الصين وغربًا إلى اليونان وروما، مرورًا بالشرق الأوسط، وكانت مهدًا لأهم العلوم والفلسفات والأديان التي عرفتها البشرية. الغريب أن هذا الانقلاب الأكبر في تاريخ الحضارة لا دليل فيه على أي تصميم له أو علاقة بين أركانه، بل حدث عفوًا. أديان العالم الحالية، على اختلافها، تعود، على الأقل في أصولها، إلى تلك الفترة، وهي أيضًا حقبة ولادة الفلسفات المتعدّدة والمتضاربة.
لا خلاف في أن الحضارة الغربية تفوّقت في تطوير مفاهيم فلسفية وعلوم واقتصاد وأنظمة حكم بُني عليها عالمنا الحالي، وتمكّنت، بفضل تفوّقها التقني والسياسي، من نشر هذه القيم، وأحيانًا فرضها، على العالم أجمع.
ما يثير قلق عدد من المفكرين أن هذا الإنجاز التاريخي مهدّد اليوم أكثر من أي وقت مضى، ذلك أن الخطر، خلافًا للقرون السابقة، لا يصدر عن قوى من الخارج، بل عن قرارات داخلية انتهت بأعداد هائلة ممّن لا ينتمون إلى هذه القيم، بل ينادون بنقيضها لجهة الحريات والمساواة وحكم القانون. يُضاف إلى ذلك أن القادمين الجدد ينتمون بغالبيتهم العظمى إلى حضارات "الخجل"، وليس إلى حضارة "الذنب" كالحضارة المضيفة. بديهي أن "الخجل"، كـ"الذنب"، تتّصف به كل المجموعات وجميع الحضارات، لكن منزلتهما تختلف باختلاف الحضارات. الحضارة الغربية، لأصولها اليهودية والمسيحية، تُنزل "الذنب" منزلة رفيعة في تصرّفات أعضائها، فيما الإسلام، ربما بتراثه القبلي، يولي "الخجل" الصدارة. الفرق بين الخلفيتين أن حضارة "الذنب" يردعها "الضمير"، أي الضوابط الداخلية في كل إنسان، التي تجلّت في التراث الغربي ابتداءً من اليهودية والمسيحية، وأيضًا كما صوّرها الأدب اليوناني، لتنتشر بأقلام كبار أدباء الغرب، وخصوصًا الروس، منذ القرن التاسع عشر.
فلسفة "الخجل" أمر آخر. الإحراج ليس في ما تفعل من آثام، بل في ما انكشف منها للآخرين. فطالما "سترت معاصيك" ولم يعلم بها أحد، فلا ضرر.
إن عدنا إلى توينبي، نقف على وصفه لانهيار الحضارات في الجزء الرابع من مجموعته. يرى وراءها سببين: "فقدان السيطرة على الطبيعة"، كالجفاف والفيضانات والبراكين والأوبئة، وأيضًا فقدان السيطرة "على الإنسان"، ويعني توينبي بذلك تراجع الولادات وعدم التجدّد الديمغرافي. العنصر الثاني هو من أوضح أسباب انهيار الحضارة الأوروبية. العلمنة أدّت إلى حصر اهتمامات شعوبها بـ"الهنا" و"الآن"، مسقطةً الماضي والمستقبل. هذا التقلّص الديمغرافي لا سبيل إلى معالجته إلا باستيراد اليد العاملة أو السماح لها بالدخول، وإنْ خارج الأطر القانونية. ثم إن القيم العلمانية والتسليم بـ"العقل" قادا الغرب إلى وهم أن من شأن التعليم والخدمات الاجتماعية دمج القادمين. لكن أهم عنصر في فشل الدمج يعود إلى ضعف وسيلة الدمج التقليدية: الكنيسة. مرّت أوروبا بغزوات واجتياحات عبر تاريخها، لكن الكنيسة كانت دائمًا أداة لدمج الغزاة وتحويلهم إلى مواطنين، كما بلغ بعضهم مناصب كنسية عليا. الأزمة الحالية هي الموجات المتدافعة من القادمين وغياب أداة الدمج التاريخية، من دون احتساب النتائج.
هذا يعيدنا إلى مقولة بتوينبي: "الحضارات لا تموت، الحضارات تنتحر".











