وُلد الفنان في شيكاغو عام 1977، ويقيم في نيويورك، وقد طوّر ممارسة فنية مميّزة في الفن الأميركي المعاصر. تتنقّل أعماله بين التصوير الفوتوغرافي والرسم والنحت والسينما والخزف والأعمال التركيبية والتجميعية. ومع ذلك، يقف وراء هذا التعدّد عدد من الاهتمامات المترابطة، من الذاكرة والهوية والثقافة إلى القلق والرجولة والطبقة والإرث المعقّد لتاريخ الأميركيين السود.
بناء الذات من المحيط
حظي جونسون باهتمام واسع في بداياته من خلال التصوير الفوتوغرافي. أظهرت أعماله اهتمامًا بالعلاقة بين الهوية السوداء والحياة الثقافية. ولم يتعامل مع الهوية باعتبارها شيئًا ثابتًا، بل نظر إلى التفاصيل التي تصنع نسيجها. وأصبحت الموسيقى والكتب والملابس والمساحات المنزلية، إلى جانب الطعام والشعر والعمارة، جميعها عناصر في هذا البناء.
وقد ميّز هذا النهج صوره عن الصور التي تتعامل مع الهوية بوصفها شيئًا يمكن اختزاله في الوجه أو الجسد. لدى جونسون، يمكن للغرفة أن تقول شيئًا عن صاحبها، ويمكن للشيء أن يحمل تاريخًا، ويمكن للإشارة إلى كاتب أو موسيقي أن تكون كاشفة بقدر صورة شخصية. وظلّت شيكاغو حاضرة في هذا الخيال.
نشأ جونسون في المدينة ضمن بيئة عائلية ارتبطت بالتعليم والعمل الاجتماعي والثقافة. ومن هنا يمكن فهم حضور المنزل في أعماله، لا باعتباره مجرّد مساحة خاصة، بل بوصفه مكتبة أو استوديو أو مكانًا للقاء أو مأوى أو فضاءً نفسيًا. وللكتب أهمية خاصة، فهي تشير إلى التعليم والفضول والإرث، وتذكّر بأن الهوية تتشكّل أيضًا من الأفكار التي تصل من الأجيال السابقة. وتضع إشاراته إلى جيمس بالدوين وغيره من الشخصيات الفكرية السوداء أعماله في حوار مع تاريخ طويل من التفكير في العرق والثقافة الأميركية. غير أنّ جونسون لا يكتفي بالإشارة إلى الأدب.
كان مشروعه "The New Negro Escapist Social and Athletic Club" واحدًا من المحطات المبكرة المهمة في هذه الرحلة. بدأ المشروع بوصفه عالمًا فوتوغرافيًا متخيَّلا، ثم اتسعت الفكرة في أعمال لاحقة، لتتحوّل إلى فضاء مادي وثقافي يجمع الكتب والنباتات والمرايا والخزف وغيرها من العناصر، مقترحًا مساحة تتجاوز فيها الحياة السوداء الصور النمطية. وهنا تكمن إحدى نقاط قوة جونسون. فعمله واعٍ بتاريخ العنصرية والعنف، لكنّه لا يسمح لهذه الموضوعات بأن تستولي على صورة الحياة السوداء. هناك أيضًا الجمال والصداقة والفضول والفكاهة والراحة والرغبة والهشاشة. ثمّة حق في تخيّل حياة لا يحدّدها الصراع وحده.
الأشياء تتذكّر
يحتلّ الخزف، بما يحمله أحيانًا من أثر الكسر والتشظّي، مكانة لافتة في أعمال جونسون. توحي الأسطح المتصدّعة بالضرر، لكنّها يمكن أن توحي أيضًا بإعادة البناء. ويمكن قراءة هذا الاستخدام للمادة بوصفه قريبًا من عمل الذاكرة نفسها. فهي لا تصل إلينا مكتملة، بل عبر شظايا وصور وأصوات وأشياء. وتتكوّن الهوية من قصص عائلية ومراجع ثقافية وتجارب شخصية وأفكار موروثة.
وتضيف المرايا بُعدًا آخر، فهي تُدخل المُشاهد في العمل وتجعله جزءًا من التكوين. لم يعد العمل مقتصرًا على الفنان أو الشخصيات، بل تصبح نظرة المتلقّي نفسها عنصرًا من عناصره. وهنا تظهر أسئلة عن رؤية الذات وتمثيلها، وعن مَن ينظر وما الذي يحمله معه إلى تلك النظرة.
أمّا النباتات فتؤدّي وظيفة مختلفة. كثيرًا ما يدمج جونسون نباتات حيّة في أعماله التركيبية. فهي تمنح العمل إحساسًا بالنمو والتغيّر والهشاشة. فالنبات ليس مادة ثابتة، بل كائن يحتاج إلى رعاية، وينمو ويشيخ، وقد يزدهر أو يذبل. وهكذا يتحوّل العمل إلى بيئة تتغيّر مع الزمن.
وقد اتّجه جونسون في أعماله التركيبية إلى أحجام وفضاءات واسعة، بحيث تصبح العمارة نفسها جزءًا من التجربة. ويتجلّى ذلك بوضوح في معرضه "A Poem for Deep Thinkers" في "متحف غوغنهايم" بنيويورك عامَي 2025 و2026، حيث دخلت أعماله في حوار مباشر مع المبنى الحلزوني الذي صمّمه فرانك لويد رايت، فأصبح الفضاء المعماري عنصرًا أساسيًا في التجربة الفنية، فيما امتدّت النباتات والهياكل المعدنية والكتب والعناصر اليومية داخله، لتنشأ علاقة بين الذاكرة الشخصية والتاريخ الثقافي والعمارة.
بين القلق والحميمية
يضيف اهتمام جونسون بالقلق بُعدًا آخر إلى هذا العالم. فقد تحدّث في مقابلاته عن تجربته مع القلق، وعن الضغوط النفسية التي رافقت مراحل مختلفة من حياته وعمله. ويمكن رؤية هذا التوتّر أيضًا في الطريقة التي يتناول بها الرجولة السوداء. فالرجال في أعماله لا يُختزلون في القوة أو الثقة. هناك مساحة للضعف والفكر والرقة والأناقة والحياة المنزلية والغموض وعدم الاستقرار العاطفي. وبهذا يقترح صورًا أكثر تعقيدًا للذات.
كما يمكن قراءة عمله من زاوية الطبقة الاجتماعية. فهو يستخدم أشياء يمكن أن تنتمي إلى الحياة اليومية، ثم يضعها في سياق المتحف والفن المعاصر. ويظلّ التوتّر بين المألوف والمترف، وبين الخاص والعام، حاضرًا في كثير من أعماله.
لقد منحت مكانته في عالم الفن جونسون القدرة على تحويل هذه الأشياء اليومية إلى عناصر تحمل وزنًا ثقافيًا. وفي الوقت نفسه، يرتبط عمله بفنانين وكتّاب ومفكرين سبقوه. الثقافة السوداء في أعماله ليست حاضرًا منفصلا عن الماضي، بل إرثًا متراكمًا من الصور والكتب والموسيقى والفكر والتجربة.
عمارة الذاكرة
قد يكون هذا الإحساس بالإرث أحد مفاتيح فهم جونسون. ففنّه لا يتناول الهوية فقط، بل يتناول الطريقة التي تتشكّل بها. الهوية تُبنى من الذاكرة، لذلك لا ينبغي النظر إلى تعدّد المواد في أعمال جونسون باعتباره مجرّد تنوّع تقني. التصوير والنحت والرسم والخزف والنباتات والكتب والمرايا والعمارة تبدو كأنّها لغات مختلفة داخل حوار واحد. لا يطلب جونسون من مادة واحدة أن تفسّر كل شيء، بل يسمح للأشياء بأن تتفاعل.
قد يبدو العمل مزدحمًا أو مجزّأ في البداية، لكنّ لهذا التشتّت وظيفة. فيمكن قراءة منشآته مثل الذاكرة نفسها. شيء يقود إلى آخر. كتاب يذكّر بكاتب، وكاتب يذكّر بطفولة، وطفولة تقود إلى مدينة، ومدينة تفتح على تاريخ. والتاريخ يعود في النهاية إلى الجسد. الإنسان نفسه، في هذا العالم، يشبه هذه الأشياء. نحن نتكوّن من شظايا، ونرث أشياء لم نخترها، ونحمل معنا أماكن وأصواتًا وصورًا. نفقد بعض الأشياء ونحتفظ بأخرى، ثم نبني أنفسنا ممّا يتبقّى.
هنا تكمن قوة فن رشيد جونسون. فهو لا يقدّم صورة واحدة للهوية السوداء، بل يخلق فضاءً يمكن أن تتعايش فيه أشكال متعدّدة من الحياة السوداء. مساحة للتاريخ والمتعة، للفكر والقلق، للجمال والانكسار، وللذاكرة وإعادة التكوين. فالهوية عنده ليست شيئًا مكتملا، بل بناء مستمر، مثل عمارة لا تنتهي.















