تضع تايوان أمنها الطاقوي في صلب معركة تثبيت موقعها الاستراتيجي تجاه الصين، باستعدادها لاستثمار ما يصل إلى 4.4 مليارات دولار في مشروع خط أنابيب الغاز في ألاسكا. فالجزيرة التي تستورد معظم احتياجاتها من الطاقة تسعى إلى تأمين إمدادات طويلة الأجل، وتعميق المصالح المشتركة مع الولايات المتحدة، بما يعزّز ارتباط واشنطن باستقرارها في مواجهة أطماع بكين.
كشفت حرب الشرق الأوسط خطورة الارتهان لمصادر تعبر ممرّات قابلة للاشتعال. فبعد عرقلة طهران الملاحة في مضيق هرمز، تراجعت حصّة قطر من واردات الغاز الطبيعي المسال التايوانية إلى 10.7 في المئة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، مقابل 35.1 في المئة قبل سنة. وفي المقابل، ارتفعت الحصة الأميركية إلى 24.5 في المئة، وتصدّرت أستراليا لائحة المورّدين (34.8 في المئة). تعكس هذه التحوّلات إعادة توزيع للمخاطر، تتقدّم فيها موثوقية الشريك وسلامة المسار البحري ضمن حسابات أمن الطاقة.
يمنح مشروع ألاسكا هذا التوجّه أفقًا أوسع. فشراء ستة ملايين طنّ متري سنويًا والمساهمة في تطوير البنية التحتية ينقلان تايبيه من علاقة تجارية محكومة بتقلّبات السوق إلى شراكة استثمارية ممتدّة. وبالنسبة إلى واشنطن، يوفّر الطلب التايواني منفذًا لتصريف الإنتاج ودعمًا لتمويل مشروع أعاقته الكلفة المرتفعة والشكوك بشأن جدواه. وهكذا، تصبح حماية العلاقة مع تايوان مرتبطة أيضًا بمصالح اقتصادية أميركية ملموسة.
في مواجهة الصين، تُراهن تايبيه على أن كثافة هذه المصالح ترفع الكلفة السياسية والاقتصادية لأي محاولة صينية لإخضاعها. يبقى الاستثمار عنصرًا مساعدًا في الردع، وتظلّ فعاليته مرتبطة بالإرادة السياسية والقدرات العسكرية. كذلك، فإنّ تنويع المورّدين يُخفّف مخاطر الانقطاع عند المصدر، فيما تبقى حركة الناقلات إلى الجزيرة عرضة للتهديد في حال حصارها. ويضيف الجدول الزمني قيدًا أساسيًّا: التعزيز المرتقب للإمدادات يبدأ عام 2032، بشرط تقدّم المشروع وفق الخطط.
ومن ألاسكا إلى غرينلاند، تتّضح مكانة الموارد الشمالية في مقاربة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للقوّة الأميركية. فإعلانه الإعداد لعمليات تنقيب "ضخمة" عن النفط والغاز والمعادن يأتي مقرونًا بتعزيز الحضور العسكري في جزيرة ذات موقع حاسم للإنذار المبكر والدفاع الصاروخي ومراقبة المجال القطبي.
تجمع هذه المقاربة بين توسيع قاعدة الموارد، وتأمين المعادن الضرورية للصناعات المتقدّمة والدفاعية، وتعزيز الحضور قرب طرق بحرية تزداد أهميتها مع انحسار الجليد. وإذا تحوّلت الإمكانات المعدنية إلى إنتاج ومعالجة فعليَّين، فقد تمنح واشنطن قدرة أكبر على تنويع سلاسل الإمداد وتقليص مواطن اعتمادها الخارجي.
وتبقى القيمة الاستراتيجية لغرينلاند أوضح من العائد التجاري الموعود. وبين تأمين غاز لتايوان وتطوير موارد غرينلاند، يتقدّم الترابط بين الطاقة والأمن القومي: الإمدادات المستقرّة تدعم استقلال القرار، والاستثمارات الطويلة ترسّخ الشراكات، والسيطرة على نقاط العبور والمراقبة تمنح القوّة الاقتصادية عمقها الدفاعي.










