الرئيس رشيد كرامي كان يذهب إلى دمشق مباشرة، دون المرور بغازي كنعان، الذي كان يتذلّل له معظم المسؤولين اللبنانيين من أجل الاستمرار في مناصبهم، لأن نفوسهم ذليلة، لعدم وجود تأييد شعبي لهم، لأنهم أزلام وليسوا قادة.
رشيد كرامي لم يكن يذهب إلى غازي كنعان، بل كان غازي هو من يأتي إليه في منزله في طرابلس، ولكن بعد أن يأخذ موعدًا منه قبل يوم من زيارته له.
بصفتي مستشارًا أول لدى الرئيس كرامي، كان يتصل بي لزيارته في اليوم التالي، في ساعة معينة، دون أي تفاصيل عن الموضوع الذي كان يعرضه عندما ألتقي به.
في إحدى الاتصالات، تبيّن لي أن سبب دعوته لي هو للقاء غازي كنعان، الذي حضر إلى بيته في العاشرة صباحًا، مع هيصة من الأزلام، لينفرد به في الصالون، على أن أدخل معه دون أي شخص آخر.
بدأ اللواء غازي كنعان حديثه بإلقاء التحية على الرئيس رشيد كرامي، بالقول: «الله معك سيدنا، كيفك؟ رضاك علينا وعلى الوضع في طرابلس ولبنان؟».
الرئيس كرامي لم يكن يرد، ولكن المفاجأة أن غازي كنعان، في هذه الزيارة تحديدًا، جاء يطلب خدمة من الرئيس كرامي، وليس العكس، كما هي حال القيادات السياسية الأخرى.
ما يعني أن السوريين كانوا يسعون إلى كسب ودّ الرئيس رشيد كرامي، لأنه يتمتع بزعامة إسلامية وعربية ضخمة.
وبصفتي ممثل الدولة اللبنانية لدى سوريا في حينه، ومستشار الرئيس رشيد كرامي، فقد أفصح لي أحد الضباط السوريين القادة، خلال إحدى اللقاءات في دمشق، بأن زعامة رشيد كرامي لا تقتصر على المسلمين السنّة في لبنان فحسب، بل تنسحب على المسلمين في سوريا أيضًا.
لذلك، عمد المجرم حافظ الأسد إلى قتله بهدف تهميش الطائفة السنّية، وليعمد ابنه الساذج السفّاح إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري وغازي كنعان والعديد من المسؤولين السوريين، نزولًا عند رغبة إيران، لقاء ثلاثين مليار دولار دفعتها له إيران، وفق تصريحاتهم، من أجل الاستفراد بسوريا ولبنان.
الرئيس رشيد كرامي لم يكن زعيمًا عاديًا، بل كان زعيمًا استثنائيًا، لذا عاملته القيادات السورية باحترام زائد لم يحصل عليه أي زعيم لبناني آخر.
إذ إنهم كانوا قد خصّصوا له القصر الرئاسي السابق، الذي كان يشغله رؤساء سوريا السابقون في حي المهاجرين، قبل أن ينتقل حافظ الأسد إلى القصر الجمهوري الجديد في جبل قاسيون، شمال حي المزة الدمشقي.
وهذا القصر الجمهوري خُصّص لإقامة الرئيس رشيد كرامي تحديدًا، دون أي مسؤول آخر، حيث كان هناك جنود وضباط بلباس الحرس الجمهوري تحت أمرته، وكانوا يؤدّون له التحية داخل القصر وخارجه عند مروره.
خلال وجوده في دمشق، كان يزوره يوميًا، في التاسعة صباحًا ولمدة ربع ساعة، كلٌّ من نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام، واللواء حكمت الشهابي، رئيس الأركان في حينه.
وبصفتي ممثلًا للحكومة اللبنانية لدى سوريا، كانت القيادة السورية تدعوني إلى الإقامة في النادي العسكري على حساب الحكومة السورية، إلا أنني كنت أعتذر لأنام في فندق الميريديان.
ولكن في إحدى لقاءاتي الصباحية معهم في النادي، لاحظت أحد رؤساء الوزراء السابقين يتناول الفطور لديهم، بينما كنت أتحدث معهم على فنجان من القهوة.
أكتفي بذلك، وإلى مقال آخر.










