قد لا يسمع المزارع اللبناني بخبر الصواريخ التي يطلقها الحوثيون باتجاه مطار الرياض، ولا يقرأ التقارير المتداولة عن إنشاء حزب الله معسكرات لتدريب الحوثيين في البقاع، لكنه سيدفع حتماً ثمن هذه المغامرات، ولو بصورة غير مباشرة، من خلال كساد محصوله وتهديد لقمة عيش عائلته. فالتفاح اللبناني لا يعتمد على جودة ثماره وحدها، بل على قدرته على الوصول إلى الأسواق العربية، وفي مقدّمها السوق السعودية. وحين يُزجّ لبنان في صراعات تخدم المشروع الإيراني، تصبح أسواقه ومصالح آلاف مزارعيه رهينة تداعيات خطيرة.

إن المعطيات المتداولة عن إعادة فتح معسكرات في الهرمل لتدريب عناصر حوثية بإشراف الحرس الثوري الإيراني، إذا تأكدت، تثير مخاوف جدية من تحويل لبنان إلى منصة لتوسيع الصراعات الإقليمية، في وقت هو أحوج ما يكون إلى استعادة ثقة أشقائه العرب وتعزيز حضور منتجاته في أسواقهم.

لقد أظهرت أزمة الحظر السعودي عام 2021، عقب ضبط شحنات مخدرات مهرّبة من لبنان، كيف يمكن لأزمة أمنية أن تتحوّل إلى خسائر مباشرة للمزارعين. ومع استئناف التصدير إلى السعودية عام 2026، عاد الأمل إلى القطاع الزراعي، لكن استمرار التوترات المرتبطة بحزب الله وحلفائه يهدّد بتقويض هذا التعافي، ويعرّض سمعة المنتجات اللبنانية لمخاطر جديدة.

فكل شحنة تفاح تصل إلى الأسواق العربية تعني دخلاً لعائلات، وفرص عمل للقطافين، وحركة اقتصادية تشمل النقل والتوضيب والتصدير. وإذا تراجعت الثقة بلبنان، فلن تقتصر الخسارة على صناديق تفاح يتعذّر تسويقها، بل ستمتد إلى موسم زراعي مهدّد، وديون متراكمة، وأرزاق مهدورة.

حين يحتفي جمهور حزب الله بالصواريخ الحوثية المتجهة نحو الخليج، قد تصل ارتداداتها الاقتصادية إلى بساتين التفاح اللبنانية. فالمزارع لا علاقة له بحروب الآخرين، لكنه قد يدفع ثمنها من محصوله ودخله، فيما تتضرّر أيضاً مصالح اللبنانيين العاملين في دول الخليج وتحويلاتهم المالية.

لا يمكن إغفال فرضية أن يكون حزب الله وراء إطلاق إشاعات المعسكرات الحوثية عن سابق تصور وتصميم لضرب هيبة الدولة وعرقلة تصدير موسم التفاح والإضرار بمصالح اللبنانيين العاملين في الخليج، من منطلق «أنا الغريق وما همي من البلل». لهذا، المطلوب من السلطة اللبنانية تجاوز البيانات والقرارات الورقية والوعود الإعلامية إلى إجراءات فعلية تفرض سيادة الدولة، وتمنع استخدام الأراضي اللبنانية لتهديد أمن أي دولة صديقة، وتحمي العلاقات التجارية التي يعتمد عليها الاقتصاد الوطني؛ فالسيادة ليست شعاراً يكتب في خطاب القسم أو البيان الوزاري، بل قدرة الدولة على حماية أمن مواطنيها ومصالحهم.