ممتعةٌ قراءةُ الإصدار الأخير للباحث والكاتب فارس يواكيم عن المسرحي الراحل حسن علاء الدين - شوشو (1939 - 1975)، الذي تصادف اليوم (2 تشرين الثاني) الذكرى الواحدة والخمسون لوفاته.
يختزن "شوشو في الذاكرة" (دار الفرات، 2026) مادةً توثيقيةً غنيّةً وقيّمةً تستحق أن تبقى في متناول الباحثين والأجيال المقبلة. لكن أهمية هذا المؤلَّف لا تقتصر على تناوله تجربةً فنيةً تركت بصمتها في تاريخ المسرح اللبناني فحسب، بل تنبع أيضًا من أنّ واضعه عاصر شوشو وعرفه، وأسهم بصفته كاتبًا في صنع بعض محطات نجاح الفنان الكوميدي في المسرح والسينما والتلفزيون. فكانت النتيجة وثيقةً مكتوبةً تجاوزت حدود تدوين سيرة فنان إلى شهادة على مرحلة فنية كاملة، ومرجعًا يحفظ ذاكرة تجربة من النسيان، ويعيد إلى أصحاب الحق ما قد تكون أغفلته بعض الروايات والإصدارات السابقة عن شوشو وزمنه.
اللافت في الكتاب أيضًا أنّ فارس يواكيم لم يحصر روايته في الجانب الذي واكبه شخصيًا من مسيرة شوشو، بل تجاوز ذلك إلى استعراض السيرة الفنية الكاملة للفنان، متناولا أعماله المختلفة في المسرح والسينما والتلفزيون، سواء تلك التي جمعته به أو التي أنجزها بالتعاون مع آخرين، فأنصف الذين تقاطعوا مع شوشو في مسيرته، وأعطى كلّ ذي حقّ حقّه، وأظهر ما أضافه كلّ منهم إلى تجربته الفنية. ولم يكتفِ فارس يواكيم بذكر الأسماء والأعمال، بل أضاء، وإن باقتضاب، على محطات أساسية من السير الفنية لهؤلاء الكتّاب والمخرجين، ما يمنح الكتاب قيمة إضافية ويوسّع دائرة فائدته.
ردود جريئة
يبقى أنّ أكثر ما يستوقف القارئ في كتاب "شوشو في الذاكرة" الجرأة التي تحلّى بها مؤلِّفه في مقاربة ما كُتب عن شوشو وأعماله. فقد اختار يواكيم الردّ بالتفصيل على أخطاء وقع فيها بعض الكتّاب الذين تناولوا تجربة شوشو في مؤلَّفات أو مقالات عنه نُشرت سابقًا، واضعًا كلّ معلومة في سياقها الصحيح، ومصوِّبًا الروايات والتدوينات التي شابها الخطأ أو الالتباس، خصوصًا تلك التي كان يواكيم شاهدًا عليها بنفسه أو ذا دور فيها، انطلاقًا من مبدأ "وشهد شاهد من أهلها".
بذلك يكون فارس يواكيم، الباحث والكاتب، قد قدّم خدمةً للذاكرة الفنية اللبنانية، وللباحثين الذين يحتاجون إلى مصدر موثوق، وللقارئ الذي يستحق أن يتعرّف إلى تاريخ الفن والمسرح بعيدًا من الأخطاء التي قد تتسلّل إلى المؤلَّفات، ثم تتكرّس مع مرور الزمن وكأنها حقائق ثابتة، وهو ما نلمسه أحيانًا، بكل أسف، في بعض الإصدارات والكتابات الصحافية وتلك التي تنشرها مواقع وصفحات الفضاء الإلكتروني.
واللافت في هذه التصويبات أنّها تكشف، بين سطورها وفي أسلوب صوغها، جرحًا معنويًا خلّفه تجاهل بعض الكتّاب اسم فارس يواكيم ودوره في مسيرة شوشو، أو عدم إعطاء مساهماته ما تستحقه من حضور عند تناول تلك المرحلة. وهو جرح يمكن تفهّمه عند شخص يرى أنّ جزءًا من تجربته وجهده قد غاب عن روايات تناولت الأعمال التي شارك فيها عن قرب. وينبغي هنا الاعتراف بجرأة يواكيم في الردّ وتحويل الاعتراض إلى مادة موثّقة، والجرح الشخصي إلى فرصة لتصويب الرواية التاريخية، بحيث حوّل المسألة من مجرّد عتب شخصي إلى قيمة مضافة للثقافة العامة وحفظ للحقوق المعنوية.
في الخلاصة، تكمن قيمة كتاب "شوشو في الذاكرة" في أنّه لا يكتفي بتوثيق جوانب من السيرة الفنية والشخصية لشوشو، بل يذكّر بأنّ التأريخ والتوثيق مسؤولية تتطلّب الدقة والإنصاف والعودة إلى المصادر، كما تتطلّب الاعتراف بجهود كلّ من أسهموا في صناعة أي تجربة فنية أو إعلامية أو سياسية، مهما كان الموقف الشخصي للكاتب أو المؤرخ منهم أو رأيه الخاص في ما قدّموه.
إعلان المسرحية ما قبل الأخيرة لشوشو (الكتاب)
غلاف الكتاب












