كثيرة هي الملفات التي تتلاحق على لبنان ولا يلحق بها من هُم في السلطة، وكما العادة إما يعالجونها بـ"التطنيش" أو "التسويف" أو حسب رغباتهم، إلا أنّ الخارج من أصحاب القرار يحصون الأنفاس المرتبطة بالواقع اللبناني بعدما صار بفعل الانخراط في الساحة السورية مترابطاً مع كل ساحات التوتر والتفجير على مساحة المنطقة.

والأخطر على المستوى الرسمي، كيفية التعاطي مع ملف العميل عامر الفاخوري، وبعدما وفّرت السلطة السياسية كل أسباب عودته وعودة كثيرين من أمثاله، ولكن عناوين دخولهم إلى لبنان كانت مختلفة، ومنها المشاركة في مؤتمرات اغترابية وغيرها، أيضاً عمدت السلطة السياسية إلى التبرؤ من فعلتهم التي أسسوا لها تباعاً وتقاعسوا عن معالجتها وفق آليات سياسية وقانونية وإنسانية.

واستمرت السلطة السياسية في إهمالها هذا الملف الحساس جداً، منذ أقر مجلس النواب في جلسته التشريعية المنعقدة في 2 تشرين الثاني 2011 قانون معالجة أوضاع المواطنين اللبنانيين الذين لجأوا إلى اسرائيل وتقاعست الحكومة عن إصدار المراسيم التطبيقية، إلى قرار مجلس الوزراء الرقم 10 تاريخ 14 تموز 2014 الذي ألغيت بموجبه وثائق الاتصال والإخضاع، إلى التعميم 62/ص/2014 الذي أصدره مدعي عام التمييز القاضي سمير حمود واستند فيه إلى قرار مجلس الوزراء وألغى بموجبه بلاغات البحث والتحري المعممة والصادرة بحق أشخاص استناداً إلى وثائق الاتصال ولوائح الاخضاع، وصولاً الى قرار المجلس الأعلى للدفاع في 5 كانون الثاني 2017 البند 6 الذي طلب وضع تقرير حول تبويب وثائق الاتصال، كل هذه القرارات والقوانين والتعاميم ولم تحرك السلطة السياسية ساكناً لتطبيقها وطي الملف المؤلم من تاريخ لبنان بروح المصالحة وليس بأسلوب "التهريب" أو "التحدي".

لا بل أمعنت السلطة السياسية في ارتكاب المعصية، عندما وضعت الأجهزة العسكرية والأمنية في الواجهة، وعمد بعض القوى إلى اطلاق أبواق معروفة بالشحن والتحريض، للإيهام أن ملف العملاء هو مشكلة "صراع بين الأجهزة الأمنية"، علماً أنّ هذه أُمنية السياسيين، والتي ستبقى أُمنية، بعدما أثبتت التجربة مدى التنسيق الكبير والعميق بين كل الأجهزة العسكرية والأمنية في كل الملفات التي تمس الأمن القومي اللبناني.

وما توقفت عنده قيادات وطنية تُعمل العقل "لا الغريزة"، هو التعامل مع ملف الفاخوري بالأسلوب نفسه والتوجهات نفسها، أعادت نكء جراح فترة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، بحيث جاء التحرير في العام 2000 ونتيجة إرادة وطنية سياسية ودينية تجاوبت معها "المقاومة" في حينه، ليكون نموذجاً فريداً في عدم حصول عمليات انتقام أو ثأر وترك الأمر بكليته للدولة اللبنانية من خلال القضاء العسكري وتمت تسوية أوضاع كل الذين لم يغادروا إلى اسرائيل، وكان الأمل بأن تسارع الدولة لوضع آلية لمعالجة ملفات من لجأوا إلى إسرائيل بالسرعة المطلوبة ولكن هذا لم يحصل.

ومن يجالس هذه القيادات يلمس منهم خشية حقيقية من تحول نموذج العام 2000 في التسامح والتلاقي والاحتكام الى القانون، إلى كابوس في العام 2019 مع ملف الفاخوري وكيفية التعاطي الانفعالي معه، محذرةً من أنّ "الحاجز النفسي" الذي ارتفع في الجنوب إبان الاحتلال بين أبناء المنطقة والتي جهدت كل القوى السياسية على تذويبه وإزالته، قد يعود للارتفاع مجدداً مما يؤسس لمرحلة خطيرة لم تألفها منطقة الجنوب في عزّ سطوة السلاح الفلسطيني وما تبعها من احتلال اسرائيلي.

وترى هذه القيادات أن هناك مسؤولية كبيرة تقع على قيادتي الثنائي الشيعي "حركة أمل" و"حزب الله" بعدم ذهاب الأمور في هذا الاتجاه، وأشارت إلى ان هذه القضية التي أثارها الأمين العام لـ "الحزب" السيد حسن نصرالله في كلمته أمس، لا مصلحة لأحد في استخدامها لإعادة خلق أجواء من الترقب والحذر والخوف عند أي مكون من مكونات البيئة الجنوبية التي تمكنت سريعاً من تذويب الحواجز المصطنعة والعيش في جو من الألفة والتلاقي والوحدة.