صب الآلاف من أبناء صيدا والجنوب، جام غضبهم على المسؤولين اللبنانيين، وهم ينتظرون ساعات طويلة لإجراء المعاينة في مركز الميكانيك في الغازية - قضاء صيدا، تمهيداً لدفع الرسوم، بعد قرار تخفيض الغرامات المتوجبة على متأخرات رسوم الميكانيك بمعدل 85 % بدءاً من شهر ايلول، شرط أن يتم تسديدها قبل نهاية العام الجاري 2019.
قرار الإعفاء، شكل فرصة "للمتخلفين" الذين لم يسددوا رسوم الميكانيك لأسباب متعددة، سواء لعسر الأوضاع المالية او الاهمال والتقصير، وهم غالبية، لم يجدوا في الانتظار مشكلة على اعتبارهم "مكسورين" في الدفع، وأن ربحهم من "الاعفاء" أكثر من خسارتهم راتب يوم عمل. لكن في المقابل دفع "القانونيون" الثمن، إعتبروا أنفسهم "خاسرين" لأنهم دفعوا الثمن من رزقهم ووقتهم وجهدهم، برأيهم كان من المفترض أولاً: أعطاء مهلة زمنية أطول كي لا يشهد مركز المعاينة كل هذا الازدحام، ثانياً التمييز بين "المخالف" و"القانوني" عبر تخصيص خط معاينة لكل منهما، فلا يتحمل الواحد عن الآخر تبعات قراره.
انتظار واستياء
النتيجة، ازدحام خانق، حرق أعصاب، وانتظار ساعات طويلة، في "طابور" طويل على امتداد الطريق المؤدي الى مركز معاينة الميكانيك في الغازية، عكس هذا المشهد غير المألوف لمئات السيارات تساؤلات المواطنين عن سبب احتكار المعاينة المكيانيكية من جهة، وعدم افتتاح مراكز أخرى في مختلف مناطق الجنوب من جهة أخرى، لتضاف الى سلسلة معاناة المواطنين في يوميات حياتهم، من تلوث شاطئ البحر، الى تقنين الكهرباء، ومشكلة النفايات وصولاً الى الغلاء والبنزين وسعر صرف الدولار.
ولدى المركز، اضافة الى كونه الوحيد في الجنوب، قدرة محددة على الاستيعاب، يفتح ابوابه الساعة السابعة صباحاً ويقفلها الرابعة عصراً، وفيه 6 خطوط: 4 منها لمعاينة السيارات والخامس للشاحنات والسادس للدراجات النارية يستخدم الآن لمعاينة السيارات والاعادة، وتحتاج كل معاينة الى نحو 5 دقائق لدى فحصها فنياً وتقنياً، وسط التشديد في مراقبة أرقام لوحة السيارات "النمرة" والمصابيح والفيما"، ما يتيح معاينة أكثر من 600 سيارة وشاحنة.
ويقول عماد ضاحي الذي وفد من بلدة السكسكية المجاورة: "لقد جئت منذ الساعة السادسة صباحاً، وما زال امامي ساعات من الانتظار ليصل دوري، لقد أمضيت عطلتي الاسبوعية على الطريق، ما يجرى حرام وظلم، وكان يجب تنظيم الامر بطريقة مختلفة لا تساوي بين الجميع، ما ذنبنا لأن ندفع ثمن الآخرين؟"، مضيفاً "بمقدور الدولة أن تضع شروطاً محددة على أصحاب "الكاراجات" ومنح العشرات منهم، لا بل المئات، الحق بأعطاء شهادات مطابقة للشروط والمواصفات، مثلما يجري في الدول الاوروبية، ما يعزز المنافسة ويمنع الحصرية".
سوق سوداء
هذا الانتظار الطويل، فتح الباب امام "سوق سوداء" من نوع آخر مع انعدام "الوساطات" وعدم الغش في الدور، فبعض اصحاب السيارات ابلغوا "نداء الوطن" ان مواطنين امتهنوا عملاً جديداً في القدوم فجراً الى مركز "المعاينة" وحفظ دور لهم، ثم التخلي عنه لغيرهم مقابل 20 الف ليرة لبنانية، وقد فعل الكثير ذلك رغبة في التخلص من الانتظار لساعات وحرق الاعصاب.
وتقول جاكلين ابو رحال التي حضرت من مرجعيون: "ما يجري يفوق قدرتنا على التحمل، سألت عن المعاينة وابغلوني انه من الافضل ان أحضر باكراً، ولكن كيف لي ذلك ومنزلي بعيد في مرجعيون، باعتقادي ان المطلوب افتتاح مراكز معاينة في كل منطقة، خصوصاً في مرجعيون، صور، بنت جبيل، والنبطية وسواها، فنتخلص من الازدحام حتى لو اصدروا قراراً بالاعفاء".
وما يزيد الطين بلة، ان بعض السيارات لا تنجح من المعاينة الأولى، ما يتطلب من صاحبها اصلاح ما فيها من عطل ثم العودة ثانية، يدفع 33 الف ليرة رسم المعاينة، والعودة تكون مجانية خلال شهر واحد، والا توجب عليه دفع رسوم جديدة. ويؤكد علي قبلاوي من صيدا، "لقد بات اجراء معاينة الميكانيك يشكل قلقاً وعبئاً على الناس، أمام طول الانتظار وعشوائية القرار، وضعف قدرة المركز على استيعاب كل اعداد السيارات في الجنوب، ما يتطلب عدم احتكار مراكز المعاينة بشركة واحدة، أو على الاقل الزامها افتتاح مراكز أخرى تلبي حاجة الناس من دون ان يتكبدوا عناء الانتظار.
هذا الإنتظار، مله السائقون، بعضهم ترجل من سيارته، يراقب دوره والنظام و"يرتاح" من كثرة الجلوس داخلها، والبعض الآخر فضل أخذ قيلولة وقسط من الراحة من دون ان يوجع رأسه بأي شيء كان، فيما البعض الثالث حوله الى مناسبة للتعارف على رفاقه من السائقين "المنتظرين" مثله، في محاولة لكسر الرتابة والسأم، تبادلوا اطراف الحديث وكانت السياسة والهموم المعيشية والازمة الاقتصادية وسعر صرف الدولار وقرار الاعفاء من الضريبة الميكانيكية العناوين الرئيسية.
ويقول علي صفا من منطقة صور، والذي تخلف عن دفع الرسوم الميكانيكية لمدة عام بسبب الضائقة المالية، "أعرف ان الانتظار صعب.. لكن لا مفر منه طالما أننا "متخلفون" عن دفع الرسوم، أريد تسديد ما يتوجب علي كي تصبح سيارتي قانونية، إن الاعفاء فرصة لن أضيعها حتى لو إنتظرت طوال اليوم".
إعطاء نتيجة
عند مدخل المركز، يقف حارس أمن، كل نصف ساعة يسمح بمرور مجموعة من السيارات، لتبدأ المرحلة الثانية من الانتظار في الموقف الداخلي، قبل الانتقال الى الثالثة أي الدخول الى مكان المعاينة، حيث يبدأ الامتحان "الصعب" وصولاً الى النتيجة: النجاح أو الرسوب والاعادة مجدداً.
وأبلغ مصدر مسؤول "نداء الوطن" ان كثيراً من المواطنين يفهمون المعاينة خطأ، إذ ليس من إختصاصنا تحديد المتخلف عن الدفع ممن يلتزم به، كل ما نقوم به هو فحص السيارة واعطاء نتيجة، هل هي صالحة أم لا، وهناك في مصلحة تسجيل السيارات "النافعة" تدفع الرسوم ويتبين من سدد ممن خالف".












